أبي منصور الماتريدي
583
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ : إنما نزل في عمار بن ياسر ، وليس لنا إلى ذلك حاجة ؛ إنما الحاجة فيما ذكرنا من الحكم فيه « 1 » والحكمة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها . قال الحسن : تُجادِلُ ، أي : تخبر ، عَنْ نَفْسِها : عما عملت من خير أو شرّ . وقال أبو بكر الأصم : إن كل نفس رهينة بما كسبت من شر حتى يكون طائرا في عنقه . ولكن ليس لنا فيما ذكر هؤلاء مجادلة ، المجادلة : المخاصمة ؛ كأنها تخاصم عن نفسها من ارتكاب أشياء ، ودعوى أشياء على ما ذكر في غير آية ؛ من قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ [ الأنعام : 23 ] . وقال بعضهم : إن جهنم تزفر زفرة حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلّا وقد جثا بركبتيه ؛ خوفا منها ؛ فعند ذلك تجادل وتخاصم كل نفس عن نفسها ، ويشبه أن يكون مجادلتهم على غير هذا ، وهو ما ذكر : شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا [ فصلت : 20 ، 21 ] ؛ فتلك مجادلتهم أنفسهم ، وكقوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ [ الأنعام : 23 ] ، وكذلك ما ذكر في المنافقين : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ . . . الآية [ المجادلة : 18 ] . وذلك كله مجادلتهم أنفسهم ، أو أن يقال : تُجادِلُ لكن لا يفسّر : ما تلك المجادلة ؛ لأن الله - تعالى - ذكر المجادلة ، ولم يذكر ما تلك المجادلة ؟ وقوله - عزّ وجلّ - : وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . أي : لا ينقصون من حسناتهم ولا يزدادون على سيئاتهم . وهذه الآية تردّ على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون بالتخليد لصاحب الكبيرة ، وقد أخبر أنه : توفى كل نفس ما عملت من سوء ، ولا توفى ما عملت من الخيرات والطاعات . قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 112 إلى 119 ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 114 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 115 ) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ ( 116 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 117 ) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 119 )
--> ( 1 ) في أ : به .